أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

32

التوحيد

يحتمل الخير . وإذا كان كذلك بطلت مناظرتهم ودعواهم الحكمة والعلم ؛ لأن مناظرتهم في ذلك لو كانت مع جوهر النور كان هو عالما قبل المناظرة فلا معنى لها ، ولو كانت مع جوهر الظّلمة كان غير قابل ولا مستمع له فهو عبث . فلا بد من تحقيق الجهل والعلم في جوهر كل منهما ليصح ذلك المعنى ، وفي ذلك جمع الأمرين في أحدهما ، وذلك المعنى ألزمهم القول باثنين ، فبطل بحمد اللّه . والأصل فيه أن التّكلّم منهم بالحكمة لا يعدو إمّا أن تكلموا بجوهرهم وهو يعلم فيخرج مخرج العبث ، أو يجهله المكلّم ، وأيّهما كان ففيه ثبات الأمرين من واحد أو من غير جوهره ، فإنه لا يخلو أيضا من قبول أو عبث ، وأيّهما كان ففي ذلك ما قلنا ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم يقال لهم : إذ القول بأن لا يجوز أن يكون واحد يجئ منه خير وشر ، ومن هذا قوله كيف كان منهما العالم الذي كل واحد منهم هذا وصفه ، فينتقض عليهما فعلهما ما لذلك ادعى لهما ذلك . أترى سفها أعظم مما عملاهما بأنفسهما أو جهلا أبين من ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . فإن قال قائلهم : كيف زعمتم أنه يجوز أن يكون من الحكيم يجئ فعل السّفه ؟ قلنا : هذا لا يجئ ممن هو حكيم بذاته ، إنما يجئ ممن يجهل ، كما قلتم في النور من الجهل بعمل الظّلمة ونحو ذلك . فأمّا اللّه سبحانه يتعالى عن ذلك . لكن قد يجوز أن يكون فعل حكمة لا يبلغها عقل البشر ، وإلّا فهو يجلّ عن ذلك . وما الحكمة إلا الإصابة في أن يوضع كل شيء موضعه ، ويعطى كل ذي حظ حظّه ، ولا يبخس بأحد حقه . وإنما أبى من يظنّ باللّه أو بما يضيف إليه الموحدون ذلك ؛ لجهلهم بحدود الحكمة ومبلغ الحظوظ ، وإيجابهم الحقوق لمن ليست لهم . وسنذكره إن شاء اللّه في موضع هو أملك به من هذا .